AL-Mahaba Orthodox Web Site
Holy Lamd
بشفاعات أبينا البار القديس برفيريوس أيها الرب يسوع المسيح إرحمنا وخلصنا
 
 موقع المحبة الأرثوذكسي
الأرض المقدسة
رنمـوا للـرب تـرنيمـاً جـديـداً

 

الآلام في حياة العذراء

  الأب / فادي هلسه

بإسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد آمين

إنها الحياة ببحرها المتموج لا يصل الإنسان هدفه مهما كان إلا بالعناء والتعب.

فالإنسان الذي يسعى لهدف سامي في حياته لا بد له من الجهاد والتعب إن كان يريد تحقيق هذا الهدف بالطرق الشرعية واستخدام وسائل مشروعة لتحقيق هذا الهف.

والتجارب في الكتاب المقدس كثيرة للوصول لهدف أسمى وهو القداسة فهي لا تأت إلا بالتعب والسهر بل والألم حيث أوضح المسيح لتلميذي عمواس قائلا (أما كان ينبغي للمسيح أن يتألم هذه الآلام فيدخل إلى مجده).

حتى السيد له المجد لم يصعد للسماء حاملا طبيعتنا البشرية ويُجلسها عن يمين الآب إلا عبر معصرة الآلام والصليب والموت.

وقد فهم القديسون قصد السيد فساروا بنفس الطريق فلم يصل أي قديس إلى تلك الرتبة السمية إلا عبر السهر والألم وحتى الموت قتلا.

والسيدة العذراء والدة الإله أم السيد وأم الكنيسة لم تصل تلك الرتبة المقدسة إلا عبر آلام كثيرة رافقتها من بدء حياتها.

فمنذ الولادة ولدت لأبوين عاقرين لا ينجبان أولادا وربما كان الوالد يتمنى ولدا ذكرا ليحمل اسمه كعادة أهل الشرق لكنها قدمت أتثى ولكونهم نذروا المولود لهيكل الرب فقد حُرمت من الوجود بين الوالدين كأي طفل بل عاشت حياتها كطفلة في جو غريب عليها محرومة من حنان الأبوين تعيش وحيدة لا يعرفها أحد إلا الكهنة الذين برغم رتبة الكهنوت لا يستطيعون سد عوزها من حنان الأب والأم.

واكتملت دائرة الحزن بوفاة والديها وهي في السادسة من العُمر فذاقت مرارة اليتم وأصبح الهيكل بيتها الوحيد بل هو أهلها ورتلت مع صاحب المزامير قائلة (إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني).

وكبرت الطفلة مريم وبدأت التغيرات الفسيولوجية تظهر عليها بما لا يدع مجالا لبقائها داخل الهيكل فإلى أين تذهب ربما في تلك الأيام سلمت رجاءها  لرب الهيكل ليرسم لها الطريق الشاق عبر الحياة القاسية التي تنتظرها.

نظرت وسمعت بخوف مجموعة من الكهنة الشيوخ الأتقياء يتناقشون في مصيرها وهي نذيرة هيكل الرب ومَن من الرجال سيأخذها أمانة لتتربى في بيته وتخرج القرعة ليوسف البار وأعتقد أن ألمها كان كبيرا وهي تغادر المكان المقدس الذي عاشت فيه طفولتها إلى عالم مجهول لا تدري ولا تعلم فيه شيئا.

وبانت عليها وهي في بيت يوسف علامات الحمل الإلهي بابن الله وعانت ما عانت من شك خطيبها ونظراته المملوءة غيرة وغضبا وكيف  ردعه إيمانه وتقواه بأن يشهرها أمام الجميع لاقترافها فعلا شائنا أستطيع التكهن بالروح أنها عانت من صراع داخلي بين طاعتها العمياء المطلقة لرب المجد وبين نظرات الشك والريبة من يوسف ومن حولها حتى تدخل الله وكشف عن عفافها ليطيع يوسف الأمر الإلهي ويحتفظ بها.

وكم كانت الطريق شاقة إلى بيت لحم لحامل على وشك وضع مولودها ليكتتبوا بحسب أمر أغسطس قيصر وكم كانت الطريق صعبة ومؤلمة لها جسديا حتى وصولهم بيت لحم.

ويتكرر الألم النفسي والجسدي معا حين لا يجدان مكانا للراحة بل يجدا مغارة تعيش فيها الحيوانات لا أعتقد انها كانت صالحة لسكنى البشر لكنها إرادة الرب أن يلد ساكن السماء فيها تواضعا وكسرا لكل كبرياء البشر وغرورهم.

ويتألم قلب الأم عندما يخبرها يوسف بأن وليدها مستهدَف من هيرودوس الملك ذلك الدموي القاسي القلب الذي خاف على مُلكه من ابن العذراء تراكم تعب الولادة والخوف على الصبي مع تعب الهروب إلى مصر بحسب الأمر الإلهي.

ويصعد يوسف ومريم ليقدما الطفل يسوع إلى الهيكل ويتلقاهما سمعان الشيخ ويتنبأ للعذراء بأن سيف الحزن سيخترق قلبك كأم وتكتم العذراء ذلك في قلبها.

ويكبر الطفل في بيت يوسف الفقير لا يعيش كطفل مدلل بل يقاسم يوسف ومريم مرارة الفقر وتتألم مريم أيضا لأن طفلها ذاق مرارة الفقر وتتذكر طفولتها المعذبة.

ويبدأ يسوع بشارته المفرحة بالخلاص للعالم فالعالم يفرح بالخلاص لكن العذراء تتألم لبُعده عنها وهو يطوف المدن والقرى يعلم ويبشر ويشفي كم تمنت أن تضمه لصدرها وهي الأم المحبة لوحيدها.

كم عانت من البقاء وحيدة الليالي الطويلة وهو البعيد عنها حيث كان يقضي الليل في الصلاة والتأمل وهي وحيدة لا يسأل عنها احد.

كم تألمت عندما تسمع أن اليهود يسبونه ويصفونه بالعته والجنون وبأنه رئيس الشياطين وأنهم حاولوا رجمه بالحجارة مرة وبإلقائه من فوق الجبل إلى الوادي لقتلة.

وجاء الحزن الأكبر والألم الأشد وهي ترى ابنها وقد قبض عليه العسكر ويحاكم محاكمة هزيلة لا تراعي أبسط الحقوق القانونية وهم يقابلون إحسانه بالنكران والجحود وترى جند بيلاطس يجلدونه ويسخرون منه.

كم عصف بها الألم وهي تسير معه طريق الآلام حتى الجلجلة الرهيبة وترى ابنها الحبيب وقد تمدد على الصليب يغرسون في جسده المسمار تلو المسمار ويرفعون الصليب بمن عليه وجاز سيف الحزن في قلبها وهي تراه متألما يموت ببطء وهو يحمل بشاعة خطيئة العالم معه على صليب العار.

وكما كانت بداية حياتها تعيش غريبة بين أناس لا تعرفهم فقد عاشت ما تبقى قبل انتقالها غريبة في بيت الرسول يوحنا الحبيب وهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه يحاول التخفيف عنها ويجعلها تحس انها في بيتها.

مرارة وألما عاشتها العذراء امنا علبى الأرض لكن تلك المرارة لم تستمر فقد نقلها ابنها هناك إلى بيته الحقيقي في السماء وعوَض كل ما قاسته من الأحزان والآلام تعيش للأبد تتمجد أعظم من الملائكة.

هذا يجب أن يكون اختبار كل مؤمن فالألم مزعج ولا يرضاه الناس ويقابله معظم الناس بالتذمر لكنه في المسيح يكون بركة لأنه يؤدي إلى المجد.

فلا نتذمر إن تألمنا وغن متنا فنقول مع الرسول بولس إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت فإن عشنا ومتنا فللرب نحن والنعمة مع جميعكم.  

آمين

العودة لصفحة الزاوية الدينية